مراهقون على حافة العنف.. بريطانيا تدرس حظر السوشيال ميديا دون 16 عاماً
مراهقون على حافة العنف.. بريطانيا تدرس حظر السوشيال ميديا دون 16 عاماً
تتسع في بريطانيا دائرة الجدل حول مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي على المراهقين مع تصاعد الدعوات الرسمية لفرض قيود صارمة على استخدام هذه المنصات من قبل من هم دون 16 عاما في ظل تحذيرات متزايدة من تحول الإنترنت إلى مسار يقود بعض الشباب نحو التطرف والعنف.
وفي هذا السياق نقلت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية في تقرير نشرته الأحد تصريحات لجوناثان هول، المراجع المستقل لقوانين مكافحة الإرهاب في بريطانيا دعا فيها الحكومة إلى دراسة فرض حظر على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاما على غرار ما طبقته أستراليا مؤخرا، معتبرا أن البيئة الرقمية باتت عاملا مركزيا في تغذية أفكار عنيفة لدى فئة من المراهقين.
الإنترنت كمسار للعنف
يرى هول أن الشبكة الرقمية لم تعد مجرد فضاء للتواصل أو الترفيه بل تحولت في بعض الحالات إلى بوابة لأعمال عنف مروعة، مشيرا إلى أن التفاعل المستمر مع محتوى متطرف أو مع أدوات الذكاء الاصطناعي مثل روبوتات الدردشة يمكن أن يدفع المراهقين تدريجيا إلى الإدمان وتبني أفكار عدوانية دون أن يلاحظوا خطورة المسار الذي يسلكونه.
وأوضح في مقال نشرته صحيفة التلغراف أن بريطانيا تمتلك القدرة التشريعية والسياسية لاستعادة السيطرة من شركات التكنولوجيا الكبرى عبر قوانين أكثر صرامة تقلص نفوذ هذه المنصات وتحد من تأثيرها على العقول الناشئة.
التجربة الأسترالية تحت المجهر
استشهد هول بالتجربة الأسترالية التي دخلت حيز التنفيذ الشهر الماضي والتي تمنع الأطفال دون 16 عاما من الوصول إلى منصات شهيرة مثل تيك توك وإكس وإنستغرام وتفرض على الشركات المخالفة غرامات تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي أي ما يعادل 25.6 مليون جنيه إسترليني.
ورغم الانتقادات التي واجهها القرار في أستراليا خاصة ما يتعلق بالخصوصية وصعوبة التطبيق العملي فإن الحكومة الأسترالية دافعت عنه باعتباره خطوة ضرورية لحماية القاصرين من أضرار الإنترنت النفسية والسلوكية.
قيود قابلة للتطوير
وصف هول هذا النوع من الحظر بأنه جزئي ويمكن التحايل عليه تقنيا، لكنه شدد على أن كثيراً من التشريعات الاجتماعية بدأت محدودة ثم تطورت مع الزمن وضرب أمثلة بقوانين إلزامية ارتداء حزام الأمان وحظر التدخين في الأماكن العامة والتي واجهت في بدايتها اعتراضات واسعة قبل أن تصبح جزءا من الثقافة العامة.
وأضاف أن بعض الشبكات الإلكترونية تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تحريض الأطفال على ارتكاب أعمال عنف ضد أقرانهم من خلال تطبيع خطاب الكراهية أو تمجيد السلوك العدواني.
ولتعزيز تحذيراته أشار هول إلى حالتين لشابين اطلعا على محتوى عنيف ومتطرف عبر الإنترنت قبل تنفيذهما جرائم قتل ورغم أن القضيتين لم تصنفا قانونيا ضمن جرائم الإرهاب فإن السياق الرقمي لعب دورا محوريا في تشكيل سلوكهما.
وحذّر من خطورة تمجيد القتلة الجماعيين عبر روبوتات الدردشة أو الصور الرقمية المنتشرة على المنصات معتبرا أن هذا النوع من المحتوى يمثل تهديدا خاصا للمراهقين الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو عزلة اجتماعية.
مسؤولية الأهل أم المنصات
وانتقد هول مقترحات شركات التكنولوجيا التي تلقي عبء مراقبة المحتوى على عاتق الأهالي وحدهم، مؤكدا أن إبعاد الأطفال عن أجهزتهم الرقمية أسهل وأكثر فاعلية من مطالبة الآباء بمتابعة كل ما يتعرض له أبناؤهم في فضاء رقمي مفتوح على مدار الساعة.
واعتبر أن ميزان القوة الحالي يميل بشدة لصالح الشركات العملاقة التي تمتلك أدوات التأثير والخوارزميات في حين يفتقر الأهل في كثير من الأحيان إلى المعرفة التقنية أو الوقت الكافي للرقابة المستمرة.
ملف حقوق الإنسان والجدل القضائي
وفي سياق متصل أثار هول ملفا آخر يتعلق بصورة منظومة حقوق الإنسان في بريطانيا محذرا من أن بعض القضايا القضائية قد تقوض ثقة الجمهور فيها، وجاء ذلك على خلفية حصول قاتل مزدوج على تعويض قدره 7500 جنيه إسترليني بدعوى تضرر صحته النفسية نتيجة عزله داخل السجن إضافة إلى تكبيد دافعي الضرائب فاتورة قانونية بلغت 240 ألف جنيه إسترليني.
وأوضح هول أن القوانين تكون أحيانا فضفاضة بما يسمح بنتائج مفاجئة للرأي العام مؤكدا في الوقت نفسه أنه لا ينتقد الحكم القضائي ذاته بل يحذر من أثر هذه القضايا على ثقة المجتمع بمنظومة حقوق الإنسان ككل.
توازن صعب بين الحماية والحرية
تعكس هذه التصريحات تصاعد القلق الرسمي في بريطانيا من تأثير الفضاء الرقمي غير المنضبط على الأجيال الشابة في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول كيفية تحقيق توازن بين حماية الأطفال وصون الحريات الرقمية.
ويرى مراقبون أن أي خطوة نحو فرض حظر أو قيود عمرية ستحتاج إلى نقاش مجتمعي واسع وتشريعات دقيقة تضمن الفاعلية دون المساس غير المبرر بحقوق المستخدمين.
شهدت السنوات الأخيرة تصاعدا ملحوظا في النقاش العالمي حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية والسلوكية للأطفال والمراهقين خاصة مع انتشار الذكاء الاصطناعي وخوارزميات المحتوى التي تعزز التفاعل المكثف دون مراعاة للآثار طويلة المدى، وتواجه الحكومات تحديا متزايدا في تنظيم هذا الفضاء في ظل نفوذ شركات التكنولوجيا العابرة للحدود، وتأتي الدعوات البريطانية الأخيرة في سياق عالمي أوسع يشمل تجارب تشريعية في دول عدة تسعى لحماية القاصرين من التطرف الرقمي والعنف مع الحفاظ على جوهر الحريات العامة في العصر الرقمي.











